علي عبيد الهاملي
حين يفسد عضو من أعضاء الجسم ويستعصي على المعالجة يصبح بتر هذا العضو هو الحلحَمْل جنسية أي دولة شرف لا يناله إلا من ينتمي إلى هذه الدولة انتماءً صادقاً، يفرحه ما يفرحها، ويحزنه ما يحزنها، يبذل الروح فداءً لها، ويضحي بالغالي والنفيس من أجلها، ولا يرضى أن تتعرض للعدوان من قبل أي طرف، مهما كان انتماؤه الطائفي أو المذهبي.
هذه عقيدة تُرضعها الأمهات أطفالهن وهم في المهد، تكبر معهم قبل أن يغادروا عتبات بيوتهم، تزرعها في نفوسهم الأزقة التي يبدؤون فيها خطواتهم الأولى، وترسخها لديهم المدارس التي يتلقون فيها علومهم الأولى، وتتنامى مع تطور شخصياتهم من المهد إلى اللحد. فما الذي يجب أن يحدث عندما يشذ البعض عن هذه القاعدة، ويتنكرون للأوطان التي منحتهم شرف حمل جنسياتها، ويمجدون الأعمال العدائية التي تقع عليها، ويتخابرون مع الدول المعتدية عليها، ويشكلون خلايا إرهابية تزودها بالمعلومات والإحداثيات التي تساعدها على قصف المنشآت الحيوية والمراكز الاقتصادية فيها؟
قد يظن البعض أن هذا من المستحيلات الثلاثة التي تحدّث عنها العرب في أدبياتهم، أو أنه رابعها، لكن هذا حدث في بعض دولنا الخليجية العربية، إبّان الحرب الأخيرة، عندما قامت إيران بقصف دولنا، رداً على القصف الأمريكي الإسرائيلي لها، في تصرف عدائي ومجنون لا مبرر له، تصدت له دولنا ببسالة وكفاءة، وأفشلت هدف إيران منه، لكنه كشف خيانة بعض الذين يحملون جنسيات الدول الخليجية، وهم قليلون، وفضح تعاطفهم مع العدو الإيراني، وتآمرهم على الأوطان التي منحتهم شرف حمل جنسياتها، فكان رد الفعل الطبيعي، هو إسقاط جنسيات هؤلاء الخونة، وتجريدهم من شرف الانتساب لهذه الأوطان.
هذا هو ما فعلته مملكة البحرين، عندما قامت بإسقاط الجنسية البحرينية عمن أبدوا تعاطفهم وتمجيدهم للأعمال العدائية الإيرانية الآثمة، أو قاموا بالتخابر مع جهات خارجية، كما جاء في بيان وزارة الداخلية البحرينية، الذي أشار إلى أنهم من أصول غير بحرينية، وأكد أن هذا الإجراء جاء تنفيذاً لتوجيهات قيادة المملكة، وأشار إلى أن الجهات المختصة، مستمرة في دراسة ومراجعة من يستحق شرف الجنسية البحرينية ومن لا يستحقها.
كل هذا يبدو طبيعياً ومتوافقاً مع المنطق، لكن غير الطبيعي ولا المنطقي، هو أن تنبري الدولة المعتدية إيران لإدانة هذا الإجراء، والقول إنه استند إلى ذرائع واهية! كأن خيانة الوطن ذريعة واهية، لا تستحق التعامل معها بحزم، أقلّه سحب جنسية من يقوم بهذا العمل، وتجريده من شرف الانتماء إلى الوطن الذي منحه جنسيته، وهو لا يستحق العيش على أرضه.
والغريب أن يحدث هذا في الوقت الذي تقوم فيه إيران بإعدام كل من تتهمه بالخيانة لديها، وفي ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية القضائية، كأن الخيانة حين تكون موجهة ضد النظام الإيراني عمالة للأعداء، لكنها تتحول إلى حرية رأي حين يمارسها عملاؤها في الدول الأخرى.
هذا التناقض لا يمكن قراءته إلا في سياق ازدواجية المعايير، حيث تُستخدم مفاهيم حقوق الإنسان كأدوات ضغط سياسي، لا كقيمٍ مبدئية تُطبَّق على الجميع بلا استثناء.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري إعادة التأكيد على أن حماية الوطن ليست خياراً، ولكنها واجب، وأن الانتماء ليس شعاراً يُرفع، ولكنه التزام يُختبر.
ما اتخذته مملكة البحرين من إجراءات تجاه أولئك الذين منحتهم شرف حمل جنسيتها، بعد أن خانوا الأمانة ونقضوا العهد، هو حق مشروع لها، مثلما هو حق لكل دول الخليج العربية الأخرى، فحين يفسد عضو من أعضاء الجسم، ويستعصي على المعالجة، يصبح بتر هذا العضو هو الحل، فكيف إذا فسد أفراد ممن يحملون جنسية الوطن؟! أما ما تدعيه إيران من انتهاك لحقوق الإنسان تجاه خونة الأوطان المتآمرين والمتعاطفين معها، فهو محض هراء وافتراء، أولى بها أن تطبقه على نفسها.
الجنسية شرف لا يُمنَح إلا لمن يستحقه، ولا يُحافِظ عليه إلا من يدرك معناه الحقيقي.
أما من يفرّط فيه، أو يبيعه في سوق المواقف المتقلبة، فإنه لا يخسر وثيقةً رسمية، ولكنه يخسر ما هو أعمق من الوثيقة، يخسر قيمته في ميزان الانتماء، ويخسر مكانه في ذاكرة الوطن، هذه الذاكرة التي تحتفظ بأسماء أبناء الوطن الأوفياء الشرفاء والمخلصين فقط، وترسل الخونة إلى مزبلة التاريخ.
الرجاء الانتظار ...