أ.د. محمّد عبد الرّحيم سلطان العلماء
إذا كان الوالد الحكيم مسؤولاً عن صناعة عقل الولد الذكيّ وصقل شخصيته، فإنّ الأمّ العاقلة هي التي تصنع قلبه ووجدانه وتملأ قلبه بالمحبة والرحمة، فإذا اجتمع لشخصٍ ما مثل هذا النوع النادر من العناية والتربية فقد أوتي الحظّ الوافر من السعادة والنشأة المستقيمة، وهو ما يمكننا تقريره بكلّ جزمٍ وتأكيد في شخصيّة صاحب السمو الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الذي ما فتئ يحدّثنا بكلّ وفاء ومحبّة عن العلاقة الفريدة التي كانت تربطه بوالديه: المغفور لهما الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، والشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، رحمهما الله، وكيف أنّ لكلّ واحدٍ منهما بصمة خالدة في أعماق قلبه ووجدانه، وأنّ شخصيّته القياديّة هي ثمرة ذلك التكامل الفريد بين هذين الوالدين اللذين قدّما أفضل أنواع التربية والرعاية.رجوعاً بالذاكرة إلى تلك الأيام الخوالي يسافر بنا صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم إلى حوالي سبعين عاماً ماضية متحدّثاً عن بدايات نهوض دبيّ عام 1957م، وكيف كان إيقاع الحياة في تلك الأيام البسيطة قبل أن تصبح دبيّ دانة الدنيا ولؤلؤة الخليج، حيث نشر مقطعاً صوتيّاً بصوته الوقور تحدّث فيه من أعماق القلب عن تلك الذكريات التي تثير الأشجان وتبعث ذكرى الراحلين في حبّات القلوب وخصوصاً في حديثه عن والدته الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، رحمها الله، شيخة دبيّ وسيّدة القصر وأمّ الرجال الشجعان.
«في سنة 1957 لم تكن دبيّ كما هي اليوم، لكنّ الطموح كان كبيراً، كانت أمي تستيقظ قبلي، تُعِدُّ لي الفطور وتُعِدُّ لي مستقبلي دون أن تدري..»، في هذا المقطع اللطيف يفتتح صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم هذه الكلمة باستعادة طيف الذكريات من خلال الرجوع بالذاكرة إلى أيام الطفولة من خلال عرض لوحة المدينة التي أحبّها ووهب لها شبابه وقلبه وعقله وكلّ جهده، دبيّ التي تتقاسم ذاكرته مع والده والخيل كما جزم بذلك ذات يوم، فسموّه شديد التعلّق بالمكان والإنسان، وعلى كثرة ما عرف من دول العالم ظلّت دبيّ هي الأغلى على قلبه، وظلّ صوتها هو الأعلى في سمعه حتّى صارت قصّته معها قصة عشق وليست قصّة حاكمٍ يحكم إمارة، ومنذ تلك الأيّام كان الطموح لبناء دبيّ مختلفاً ومتميزاً وهو البوصلة التي تحرّك قلبه وعقله وهو يتصوّر مدينته شاهقة البناء زاهرة النّماء والرّخاء، وكان وراء هذا الطموح والدة عظيمة القلب كانت تعلّمه فنون الحياة منذ لحظات الصباح الأولى حين تستيقظ قبله وتجهّز له فطوره وتشيّعه بدعواتها ونظراتها وترعاه بعين الأمّ الرؤوم، فكانت تلك اللحظات الصادقة تعمل في قلب الفتى الغضّ ما لا تعمله المعاهد والجامعات، وهو ما أبدع صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم في الكشف عن تفاصيله في ثلاث قصص رائعة المحتوى منحها عنوان «لطيفة» ونشرها في سيرته الذاتية الرائعة (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً)؛ حيث ارتقى ذروة عالية من الإبداع الفنّي والأخلاقيّ وهو يتحدّث عن هذه الوالدة العظيمة التي غرست في قلبه أرقى الفضائل والمناقب والتي ما زال يذرف الدّمع إذا ذُكرت أمامه في موقفٍ يستدعي تلك الأيام الخاليات مما يشير إلى رقّة قلبه ورهافة إحساسه تجاه هذه الوالدة الرؤوم.
«لم تتعب، لم تشتكِ، كانت النور قبل أن تُشرق الشمس، كانت تقف خلف السياج تنظر وتدعو»، ثمّ نقل سموّه مقطعاً من كلامها رحمها الله حين قالت: أُحِسُّ أنّ محمّد قطعة من قلبي تمشي على الأرض»، ويواصل سموّه قائلاً: «ومنها تعلّمت أنّ الرحمة قوة، وأنّ القلب يصنع القائد»، بكلّ هذه الرقة يتحدّث سموّه عن والدته الجليلة، ويلتقط بحسّه اللمّاح لحظات العاطفة الصادقة في قلب هذه الأم التي كانت تقدّم كلّ شيء من قلب صامت، وتَعْلَمُ أنّ بناء القادة يحتاج إلى الصبر الممزوج بالحنان، وكيف أنّها كانت تنظر إليه من بعيد ليفيض نداء قلبها حين تفصح عن عاطفتها تجاه طفلها الصغير وتقول: إنّه قطعة من قلبها تمشي على الأرض، لتكون هذه الكلمات مصدر إلهامٍ لصاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم الذي تعلم من والدته أنّ الرحمة هي قمّة القوة، وأنّ القلب النبيل الصافي هو الذي يصنع القائد الجسور الشجاع.
واستكمالاً لهذه الفروسيّة الأخلاقيّة المتمثّلة في البرّ والوفاء للوالدة العظيمة، يأتي صوت سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، ليؤكّد أصالة هذا الإحساس، فيقول بصوته الواثق الهادئ الرّزين: «رأيتُ جدّتي في عين والدي، فما تعلّمه من أمّه وصلني، وما تعلّمته من أمّي سيبقى، وعلى هذا الأثر نمضي لتبقى القيم حيّة، تُورّث كما هي لا تتغيّر»، ففي كلام سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم تأكيدٌ على عمق الإحساس بقيمة التربية التي يتلقّاها هؤلاء الفرسان عن أمّهاتهم الأصيلات، فقد رأى لمعة المجد في عيني والده الذي تربّى في بيت مؤسّسٍ على الشرف والسؤدد تقوم على رعايته سيّدةٌ جليلة، وكما حفظ صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم لمعة النور التي اقتبسها من والدته فكذلك الشأن في سموّ الشيخ حمدان بن محمد بن راشد الذي يحتفظ بقلبٍ يفيضُ حُبّاً وحناناً وإجلالاً لوالدته سمو الشيخة هند بنت مكتوم بن جمعة آل مكتوم، والتي يترنّم دائماً بفضائلها وكيف أنّها كانت ترعى طفولته بعين القلب قبل عين الرأس، مؤكِّداً مرّة أخرى على أنّ المسيرة ستظلّ راسخة على هذا الطريق الذي يحفظ القِيَم ويعمّق الإحساس الأخلاقيّ بالحياة.
«الأم هي التي ترسم الاتجاه، هي البداية التي لا تنتهي، ومن هذا الأصل يُولد الوطن، ويكبر في قلوب أبنائه، نحمله فينا ونمضي به جيلاً بعد جيل، ويستمرّ إرث دبيّ لأنّ قصة دبيّ من قصتكم»، وبهذه الكلمات الرائعة النابعة من أعماق القلب يختتم سموّ الشيخ حمدان بن محمد هذا الحديث الشجيّ حيث يؤكِّدُ على الدور المحوريّ للأمّ وأنّها هي بوصلة القلب التي ترسم الاتجاه، وتكون البداية نحو تحقيق الأهداف ضمن منظور لا يتوقف حيث تكون قصة ولادة الوطن الذي سيكبر في قلوب أبنائه الذين سيحملونه في قلوبهم، ويحتفظون به ككنزٍ في أعماق الروح وأمانة تتوارثها الأجيال ليكون ذلك كلّه هو قصة دبيّ مع الحياة واستمرار إرثها الذي يشكل روح الحياة في أبنائها الذين أحبّوها صغاراً وعاشوا على حُبّها كباراً لا يتغيّرون مهما تناءت بهم الديار أو تباعدت بهم الأقطار.
الرجاء الانتظار ...