عبدالعزيز سلطان المعمري
الحرب في السودان نتيجة انهيار طويل في بنية الدولة وصراع على السلطة واستثمار طويل في السلاح«الإمارات لا تُختبر».. عبارة تكررت كثيراً، ليس إعلامياً، بل أثبتتها المواقف والوقائع والأحداث، من العدوان الإيراني الغاشم، إلى شبكات التجسس وعمليات التهريب، وغيرها الكثير، لكن للأسف هناك من لا يستوعب ولا يتعلم من تجارب غيره، بل لا يتعلم من تجاربه هو، وخير مثال على ذلك نظام بورتسودان.
النظام الحاكم في بورتسودان، لم يفشل فقط في إدارة السودان، بل أدى به إلى الدمار والخراب والفساد، نظام لم يضع يوماً حياة السوداني ضمن أولوياته، بل جل تركيزه واهتمامه على ضمان استمراره، ولو كان على حساب حياة وألم الشعب، ولضمان بقائه تستمر الحرب السودانية السودانية، ولاستمرارها لا بد من تهريب الأسلحة، وهنا يكمن الغباء السياسي والأمني لحكومة البرهان.
منذ أيام أعلنت دولة الإمارات إحالة شبكة متهمة بمحاولة تهريب ذخائر إلى السودان، هنا لم يصبح الأمر مجرد قضية، أو خبر أمني عابر، ولا تفصيلاً قضائياً محدوداً في سياق إقليمي مضطرب، الواقعة تكشف ما هو أعمق من الشحنة نفسها، بل تكشف طبيعة الحرب، وتكشف كيف تعمل شبكات التمويل والتسليح، وتكشف قبل كل ذلك حجم الخلل في الخطاب الذي ظل يحاول اختزال الأزمة السودانية في اتهامات سياسية معلبة وجاهزة، بينما الواقع أكثر تعقيداً وأكثر خطورة.
منذ اندلاع الحرب السودانية، تحاول أطراف سياسية وإعلامية، تحميل الخارج مسؤولية ما يجري، وتحديداً دولة الإمارات، وكأن الأزمة السودانية بدأت من الخارج، وكأن الانقسام العسكري وفشل الانتقال السياسي وتراكمات السلطة وصراع النخب المسلحة، كلها مجرد تفاصيل هامشية، يمكن القفز عليها وتجاهلها.
للأسف، الحرب في السودان ما هي إلا نتيجة انهيار طويل في بنية الدولة، وصراع على السلطة، واستثمار طويل في السلاح، بدل الاستثمار في الإنسان ومؤسسات الدولة، لذا، نجد من لا يريد الاعتراف بهذه الحقيقة والواقع، يبحث عن تفسير غير منطقي، واتهام الخارج، وتحميل الفشل للآخرين.
بالطبع هذا أسهل سياسياً وإعلامياً، لكنه أضعف منطقياً وتحليلياً، هناك من يعتقد أن تحميل الخارج المسؤولية يعفيه من المحاسبة والمسؤولية، لذا، يحاول تبرير فشله، باعتباره نتيجة مؤامرة خارجية، لا نتيجة قرارات وصراعات وتحالفات، وأخطاء من داخل السلطة.
وبالعودة إلى قضية التهريب، يتضح أن الحرب ليست في الميدان فقط، بل تدار عبر الشركات والحسابات المالية، والعقود التجارية والطيران الخاص، والواجهات القانونية، وهنا تكمن خطورة أدوات الحروب الحديثة، حيث خطوط الإمداد لم تعد واضحة، وشحنات الأسلحة قد تمر عبر شركات وتغطيات تجارية، وقد تغسل الأموال قبل تحويلها إلى رصاص.
ما كشفته دولة الإمارات، ليست محاولة تهريب عادية أو بسيطة، بل كشفت عن بنية وهيكلية عمل منظمة، الشركات ضمن عملية التهريب غير القانونية، تعني استخدام الاقتصاد كغطاء للحرب، ونقل الأسلحة والذخائر يخلط بين التجارة والأمن، لذا، هذه الشبكات المتمرسة في التهريب، هي أحد الأسباب الرئيسة في إطالة أمد الحروب.
لكن غباء من حاول وفكر باستخدام دولة الإمارات كممر عبور لفعله، لم يفهم ولم يعِ أن الإمارات دولة تحترم وتحرص على أمنها وأمن شعبها والمقيمين على أرضها، ولن تسمح ولن تتهاون بتحول أراضيها إلى ممر للفوضى، لذا، نجد التصرف الإماراتي لم يكن ضجيجاً إعلامياً، بل إجراء قانوني، ضبط، تحقيق، اتهامات محددة، إحالة إلى المحكمة، أي أنه مسار قضائي واضح، والقضاء هو وقائع وأدلة وإجراءات. من المتوقع، بل من الطبيعي، أن تزداد الحملات الإعلامية ضد دولة الإمارات، بعد الإعلان عن عملية تهريب الأسلحة، وتحويل القضية والمتهمين إلى القضاء، لأن وقائع القضية تهز وتفكك وتقضي على السرديات التي اعتاد تجار الحروب وأصحاب الأيديولوجيات المنحرفة والأفكار الضالة على ترويجها، ونشرها ضد دولة الإمارات.
أخطر ما في السرديات السياسية، أنها مع مرور الوقت تتحول إلى بديل عن الحقيقية، لأن الناس يسمعون رواية واحدة تُكرر، حتى يعتقدوا أنها الحقيقة، الدول لا تدار بالروايات والشعارات والاتهامات، وهذا ما يجب أن يعلمه قادة الصراع في السودان.
من وجهة نظري، هذه القضية تحمل رسائل عدة، منها رسالتان: الأولى أن الإمارات لا تُختبر، ولن تكون مساحة سائبة ولا محطة عبور، ولن تستخدم واجهة تجارية ومالية للتهريب، ومن يختبر أو يجرب سيواجه القانون، أما الثانية، السودان لا يحتاج السلاح، يحتاج عقلاً سياسياً حكيماً، يضع الإنسان السوداني على رأس أولوياته.
الرجاء الانتظار ...