إيران لن تعود كما كانت

عماد الدين حسين
الطريقة التي سينتهي بها الصراع ستحدد الملامح الأساسية لصورة إيران الجديدة

في كل الأحوال، وبغض النظر عن النتيجة التي ستنتهى إليها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والعدوان الإيراني على دول الخليج العربي، فإنه يصعب تماماً أن تعود إيران إلى الوضع الذي كانت عليه قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي.
قد يسأل البعض ويقول، وما الحالة التي يتوقع أن تصبح عليها إيران الجديدة؟ الإجابة تحتمل توقعات متناقضة تماماً، فإما أن تعتذر لدول الخليج عن العدوان، وتصبح دولة طبيعية لها علاقات حسن جوار مع محيطها العربي والإسلامي، أو تزداد تطرفاً وعزلة.

كانت مفاجأة ضخمة وصادمة جداً لغالبية منطقة الخليج، أن تقوم إيران بالاعتداء على دول المجلس الست، خصوصاً أن بلدان الخليج أعلنت معارضتها الواضحة والصريحة لشن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وأبلغت عواصم الخليج طهران، أنها لن تسمح بأن تكون أراضيها وأجواءها منطلقاً لأي هجوم أمريكي عليها.
الآن، نعود إلى الخلاصة التي بدأنا بها، وهي صعوبة أن تعود إيران إلى الحالة التي كانت عليها قبل الحرب.. هذه الحالة السابقة، كانت تشهد تناقضاً واضحاً، فعلى الرغم من وجود علاقات دبلوماسية بين طهران وعواصم الخليج، عملت طهران على مد نفوذها وسيطرتها على دول في المنطقة عبر ميليشيات تابعة لها، وهو ما رأيناه في دعم الحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، ونظام بشار الأسد في سوريا قبل سقوطه.. هذه الحالة كانت تسمح لإيران بالزعم إنها تريد إقامة علاقات سلام وتعاون مع الدول العربية، لكن مع الهجمات الإيرانية على دول الخليج، انتهت هذه الحالة.

في تقديري، ومن خلال قراءة الأحداث منذ 28 فبراير الماضي وحتى الآن، فإن إيران الجديدة في الفترة المقبلة، يمكن تصورها عبر احتمالات عدة، حسب نوع التطور الذي سوف تنتهي به الأزمة.

الاحتمال الأول، أن تستأنف الولايات المتحدة وإسرائيل عملياتهما القتالية مرة أخرى، إذا فشلت المفاوضات تماماً، وتتمكنا من توجيه ضربة عسكرية ساحقة لما تبقى من قدرات عسكرية وعلمية وبنية تحتية، بما فيها المنشآت النفطية، وتتضمن هذه الضربة عمليات إنزال بري، تقود إلى إسقاط النظام الإيراني، أو إقناعه بقبول اتفاق يحقق كامل الشروط الأمريكية والإسرائيلية.
إذا حدث هذا الاحتمال، فسوف نجد نظاماً إيرانياً مختلفاً، يتخلص من لغة التهديد لجيرانه، ويوقف دعمه لكل الوكلاء في الخارج، ويفتح مضيق هرمز للملاحة من دون شروط، ويفكك أو يوقف البرنامج النووي، وحتى إذا لم يسقط النظام، فإنه في هذه الحالة، سوف يتغير ببطء وهدوء بصورة تدريجية.

الاحتمال الثاني، أو صورة إيران الثانية، أن تنتهي الحرب والأزمة، وتنسحب القوات الأمريكية من المنطقة، وهو احتمال يرقى إلى مستوى المستحيل، لأن الوقائع على الأرض لا تؤيده إطلاقاً. الاحتمال الثالث، أن تنتهي الحرب بصورتها الراهنة، حيث يقوم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بإعلان الانتصار بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، وتأثيراتها في اتجاهات تصويت الأمريكيين في انتخابات الكونغرس الأمريكي في الخريف المقبل.
وهذا الاحتمال سيدفع إيران إلى إعلان انتصارها أيضاً، وسيعنى هذا أن تعيش إيران حالة من اللاسلم واللاحرب، بمعنى ألا يتم استئناف الحرب إطلاقاً أو بصورة مصغرة، لكن مع استمرار إغلاق إيران لمضيق هرمز، واستمرار حصار أمريكا للموانئ الإيرانية، هذا السيناريو قد يقود لاحقاً إلى إضعاف النظام الإيراني بالتدريج، بسبب حرمانه من معظم عائدات النفط، وبالتالي، الرهان على إحداث تغيير داخل بنية النظام الإيراني، ما يمهد لإحداث تغيرات جوهرية لاحقة.
الخلاصة، أن شكل إيران الجديدة، لن يعود في كل الأحوال إلى ما كان عليه قبل يوم 28 فبراير الماضي.. وعلينا أن نتذكر في هذا الصدد ما قاله بوضوح معالي الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، خلال لقائه وفداً من المؤثرين الخليجيين في دبي الأسبوع الماضي، بأن إيران تمثل تهديداً استراتيجياً للخليج، وأن إعادة الثقة معها ستكون عملية طويلة الأمد ومعقدة، الأمر الذي يتطلب موقفاً خليجياً وعربياً حازماً، يضمن عدم تكرار هذه الاعتداءات، حسب قول الدكتور قرقاش.

الخلاصة، أن الطريقة التي سوف ينتهي بها الصراع، هي التي ستحدد الملامح الأساسية لصورة إيران الجديدة، لكن يصعب أن تعود إلى ما كانت عليه قبل بداية الحرب.



شريط الأخبار