الأمن الأنطولوجي

د.البدر الشاطري
يهتم دارسو العلاقات الدولية والأمن الدولي بقضايا الصراعات والحروب والنزاعات الحدودية، وإلى ما هنالك من مشاكل بين الدول وبين الفاعلين غير الحكوميين. هذا يمثل الجانب المادي من العلاقات والصراعات الدولية.
كانت وما زالت هذه هي المقاربة السائدة في دراسة الشؤون الدولية: المقاربة تؤكد على الأمن المادي. وعلى هذا الأساس تهتم الدول بتكديس وسائل القوة الصلبة، مثل الأسلحة تدريب الجيوش، القوة الاقتصادية والإعلامية، للذود عن حياض الوطن ومصالحه العليا.
لأن تعريف الأمن يستند إلى تعريف مادي مفاده ألا تتعرض الدولة إلى خسارة أقاليم من أراضيها، أو ضياع مصالح اقتصادية. ولا يصيب مواطنيها أذى جسدي.
رغم أهمية الأمن الجسدي للأفراد والأوطان، فإن مفهوم حديث تطور لفهم أعمق للأمن، يتعلق بما يسمى الأمن الأنطولوجي. الأنطولوجيا علم وجود الأشياء وكينونتها. معرفة كنه الأشياء، على خلاف مظهرها وتجلياتها، والتي تتطلب فهماً فلسفياً عميقاً لسبر أغوار الشيء.
الأفراد يتطلبون بنية تسير حياتهم، وتقدم نوعاً من الانتظام يتحقق من خلال هويتهم وإدراك الذات. الاهتزاز لهذه النزعة المعقدة عند الشخوص، يسبب نوعاً من الربكة الأمنية، والتي نسميها الأمن الأنطولوجي.
يقول أنتوني جيدنز، في أحد المصادر حول الموضوع، إن التغيرات التي خلقتها الحداثة، خاصة في تجلياتها المتأخرة، مختلفة بشكل كبير عما سبق من الدهور. وإن الحياة اليومية للأفراد تغيرت بسبب العولمة. ويضيف المصدر.
وفي عالم يعتريه سيولة متدفقة، يجتهد الشخص إلى تحقيق أمنه الأنطولوجي. بمعنى آخر، فإن ضبط فهم الهوية الدفينة للفرد، وجعلها مسترسلة وثابتة، هو الغاية لتحقيق هذا الأمن المنشود.

لك أن تتخيل عندما يفقد أفراد هوية معينة، كمهنة أو انتماء، ومدى الاضطراب النفسي الذي يكلف الفرد. فهم الفرد الحقيقي لهويته وصورته الذاتية والمكانة التي كان يحظى بها، مهمة لتحقيق نوع من الأمن. حالة عدم الاستقرار والريبة والغموض حول المستقبل، أسباب مهددة للأمن الأنطولوجي.
بالنسبة للدول، فإن الأمن الأنطولوجي قد يتجاوز الأمن المحسوس المتعلق بالحدود والانكشاف الأمني، لزيادة تسلح الخصم، على سبيل المثال. وقد تتصرف الدول لحماية هذا الأمن المعنوي، ما يجعلها تتصرف بشكل غير عقلاني من منظور الأمن المحسوس.
على سبيل المثال، كانت الحرب الباردة تدار على أسس من هذا البعد الأنطولوجي. ورغم القوة التي تتمتع بها الولايات المتحدة اقتصادياً ودبلوماسياً وعسكرياً، إلا أنها كانت مهتمة بصياغة سردية مضادة للاتحاد السوفييتي، الأقل قوة وهيمنة. كانت السردية لا تصاغ لهزيمة القطب المعادي على ساحات الوغى، ولكن على ساحات الفكر والثقافة.
السردية لم تكن موجهة ضد الاتحاد السوفييتي والشيوعية بشكل عام فحسب، ولكن للداخل الأمريكي، والذي قد يرى في النظام السوفييتي وفي الأيديولوجية بعض الحلول لبعض المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.
وليس أدل على ذلك من «الهلع الأحمر» الذي سيطر على الوجدان الأمريكي في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم. الفترة الثانية من هذا الهلع الأحمر، عرف العصر بالمكارثية، حين قام السناتور جوزف مكارثي، وراح يطارد من يشتمّ فيهم رائحة الشيوعية، حقيقة أو بهتاناً.
وقد صاحب هذا العصر خوف شديد من انسياب مبادئ شيوعية في المؤسسات الأمريكية الثقافية، مثل صناعة السينما في هوليوود. وقد استبد الفزع في الأوساط الاجتماعية، إلى درجة أن قام السناتور مكارثي بتحقيقات حول ما أسماه «لجنة النشاطات غير الأمريكية»، استدعى فيها بعض الشخصيات المتهمة بميول يسارية أو شيوعية.
هذا الشعور المتغلغل في خلجات النفس، أدى إلى انعدام الأمن الأنطولوجي، والذي جعل أفراداً في الحكومة، بمن فيهم مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية، يتعقب كثيراً من الناس بهذه التهم، وبالتالي، التعدي على حقوقهم المدنية.
المحرك لكل هذه النشاطات، لم يكن مصدره التهديد المادي الذي مثله الاتحاد السوفييتي، وهو بلا شك حقيقي، ولكن أيضاً العامل النفسي، والذي هدد كينونة الولايات المتحدة كمجتمع رأسمالي، ونظام حكم ديمقراطي.
لفهم أعمق وأوسع للعلاقات الدولية، علينا أن ندخل البعد الأنطولوجي في دراستنا للموضوع.



شريط الأخبار