وكلٌ يَدعي وصلاً بليلى .. !

منى خليفة الحمودي

«وكلٌ يدعي وصلاً بليلى.. وليلى لا تُقِرُ لهم بذاكا»..!
يبدو هذا البيت الشعري للوهلة الأولى حديثاً عن الحب والعشاق، لكنه يحمل في أعماقه معنى يتجاوز قصته المباشرة إلى سؤال إنساني أكثر اتساعاً: ماذا لو كانت معظم ادعاءاتنا الكبرى مجرد محاولة للظهور بمظهر القرب من شيء لا نملكه حقاً؟ وماذا لو كانت المشكلة ليست في غياب ليلى، بل في كثرة من يتحدثون باسمها؟
هذا السؤال يجد صداه في كتاب «مجتمع الاستعراض» لجي ديبور، الذي قدم واحدة من أكثر القراءات نقداً للمجتمع الحديث، حيث لم يتحدث ديبور عن الاستعراض في المسرح أو الترفيه، وإنما عن عالم أصبحت فيه الصورة وسيطاً بين الإنسان وتجربته، في حيز رقمي لم تعد فيه التجربة تُقاس بعمقها فقط، بل بقدرتها على الظهور والتحول إلى صورة يراها الآخرون، ليصبح المظهر أكثر حضوراً من التجربة نفسها..!
ويتغير معيار القرب من المعنى حتى لا يعود السؤال ماذا عرف الإنسان؟ أو ماذا عاش؟ أو ماذا تغير فيه؟ بل كيف يبدو؟ وكيف تُقرأ صورته؟ وكيف يمكن تسويق تجربته للآخرين؟
فكم من شخص يحرص على هيئة المثقف أكثر من حرصه على المعرفة ذاتها؟ وكم من مؤسسة تنشغل بصورة النجاح أكثر من انشغالها ببناء شروطه؟ وكم من علاقة تبدو متماسكة من الخارج بينما تتآكل في الداخل بصمت؟ فليست المشكلة في الصورة وحدها، بل في اللحظة التي تصبح فيها الصورة بديلاً مقبولاً عن الحقيقة..!

ويعود بيت الشعر القديم ليكتسب معنى جديداً، فليلى لا تبقى اسماً في حكاية غزل، بل تتحول إلى رمز لكل معنى كبير كالحقيقة والمعرفة والثقافة والسعادة، والجميع يدعي وصلاً بها، لكن الوصل الحقيقي لا يثبت بالكلام وحده.
فالثقافة ليست مفردات أنيقة، والحكمة ليست عبارات مأثورة، والإنسانية ليست موقفاً معلناً، بل أثر يظهر في طريقة العيش، لذلك يتكاثر الادعاء، بينما يزداد الجوهر غياباً، وكلما كثر الكلام عن المعنى ازداد احتمال الابتعاد عنه، فالقرب الحقيقي لا يثبت بكثرة الكلام عنه، بل بما يتركه في صاحبه من أثر..!

والمفارقة أن «مجتمع الاستعراض» لا يقوم على الكذب المباشر بقدر ما يقوم على استبدال الأصل بصورة عنه، فالصورة لا تحتاج إلى أن تكون صادقة، يكفي أن تكون مقنعة، لهذا أصبح العالم أكثر امتلاءً بالرموز والشعارات والواجهات، وأكثر عطشاً إلى المعنى الحقيقي.
لقد صار الإنسان محاطاً بكم هائل من مظاهر المعرفة، لكنه كثيراً ما يعاني من فقر في الفهم، وصار محاطاً بصور التواصل، بينما تراجعت قدرته على بناء روابط إنسانية عميقة.

ولعل أخطر ما في هذه الحالة أن الادعاء مع الزمن يتحول إلى قناعة، فالمتفرج الذي يكرر مشاهدة الصورة قد ينسى الأصل الذي جاءت منه، ومع التكرار قد يختلط على المرء «ما هو عليه» بما يريد أن «يبدو عليه»، وهنا لا يعود السؤال: من يملك الحقيقة؟ بل يصبح السؤال:
من يملك القدرة الأكبر على عرضها وتسويقها؟ ومن يملك المنصة الأعلى صوتاً؟ ومن يملك الصورة الأكثر إقناعاً؟ وعند هذه النقطة لا يعود الزيف خارجياً فقط، بل يتسلل إلى وعي صاحبه..!

من هنا يخرج البيت الشعري من حدوده الغزلية إلى أفق نقدي أوسع، فهو لا يسأل عن صدق العاطفة وحدها، بل عن آلية الادعاء حين تتحول إلى بديل عن الحقيقة، فليلى في هذا السياق، ليست موضوعاً للوصل بقدر ما هي امتحان للمعنى، من يبلغه يتغير به، ومن لا يبلغه يُكثر من الحديث عنه، وكل قيمة كبرى، كالمعرفة والثقافة والحقيقة، تفقد عمقها حين تُختزل في علامة اجتماعية تمنح صاحبها وجاهة أو اعترافاً.
لذلك لم تعد المشكلة اليوم في أن الحقيقة غائبة أحياناً، بل في أن الوصول إليها صار يمر عبر طبقات كثيرة من المظاهر، ومع كثرة هذه المظاهر يصبح التمييز بين التجربة الحقيقية وادعائها أكثر صعوبة، وكلما كثر الكلام عن المعنى صار الوصول إليه أصعب، فالصورة قد توهم بالقرب، لكنها لا تصنع صلة حقيقية به، لذلك كلما تعددت صور الوصل ظَل المعنى عصياً على من لم يبلغه حقاً، كأن ليلى لا تزال - حتى اليوم - لا تُقر لهم بذاكا..!



شريط الأخبار