نوفر رمول
طوال عقود كان مضيق هرمز أقوى سلاح جيوسياسي تملكه إيران من دون أن تستخدمه، ثلاثة وثلاثون كيلومتراً من المياه يعبر منها خُمس نفط العالم، وكان مجرد التلويح بإغلاقه كافياً لإرباك الأسواق واستدراج تنازلات دبلوماسية، القوة الحقيقية للتهديد كانت في بقائه تهديداً.
فتهديد مضيق مفتوح أقوى بمراحل من مضيق مغلق لأنه يُبقي العالم مرتبطاً به ويمنع البحث الجدي عن بدائل، وفي اللحظة التي حوّلت فيها طهران التلويح إلى فعل، كسرت هذه المعادلة وأطلقت ما كانت تحاول تأجيله.
مئة يوم من الإغلاق أحدثت صدمة موجعة: نحو مليار برميل اختفت من السوق، وقفز الخام متجاوزاً مئة وتسعة عشر دولاراً، وتضاعفت أسعار وقود الطائرات وأُلغيت أكثر من مئة وخمسين ألف رحلة.
وارتفعت أسعار الأسمدة بنحو ستين بالمئة، حتى حذّرت منظمة الأغذية والزراعة من أزمة غذائية وشيكة، ودول أوروبية فرضت تقنين الوقود لأول مرة منذ عقود، لكن الأثر الأعمق يكمن فيما أطلقته هذه المئة يوم:
تسارع هيكلي في بناء بدائل كانت تراوح مكانها منذ عقود، مئة يوم فعلت ما عجزت عنه ثلاثون سنة من التقارير التي حذّرت من هشاشة الاعتماد على ممر واحد.
فكرة بناء منفذ نفطي خارج هرمز بدأت في الإمارات قبل أكثر من عقدين، وفي 2012 افتتحت خط حبشان-الفجيرة بطول 380 كيلومتراً وتكلفة 4.2 مليارات دولار، في وقت كان الحديث عن إغلاق المضيق يظهر في تقارير الأمن والطاقة أكثر مما يظهر في حركة الأسواق، القراءة ذاتها التي دفعت الإمارات لبناء براكة بينما كانت حكومات تغادر الطاقة النووية، حوكمة استباقية تستثمر في سيناريوهات يصنّفها الآخرون ضمن المستبعد، اليوم يعمل هذا الخط بأقصى طاقته ناقلاً خام مربان من الحقول البرية، من أجود الخامات الخفيفة في العالم.
فيما تبني أدنوك خطاً ثانياً يمتد خمسمئة كيلومتر من جبل الظنة في أبوظبي إلى ساحل الفجيرة، بتكلفة تقارب ثلاثة مليارات دولار، المشروع بلغ خمسين بالمئة من الإنجاز ويدخل الخدمة عام 2027.
هنا تظهر المفارقة الأهم: الخط الجديد سيرفع قدرة التصدير خارج هرمز من 1.8 مليون إلى 3.3 ملايين برميل يومياً، وهي طاقة تقترب من كامل مستويات إنتاج الإمارات السابقة ضمن حصص أوبك بلس، ما يمنح الدولة التي خرجت من المنظمة في مايو 2026، وتستهدف إنتاج خمسة ملايين برميل يومياً، منفذاً قادراً على إيصال الجزء الأكبر من صادراتها إلى الأسواق عبر بحر العرب مباشرة.
الخط الثاني سيفتح الطريق أمام إنتاج الحقول البحرية وعلى رأسها زاكوم العلوي، ومع تشغيل الخطين معاً تصبح الإمارات قادرة على تصدير خاماتها البرية والبحرية عبر منفذ سيادي واحد على خليج عُمان.
السعودية فعّلت خط الشرق-الغرب بطاقته القصوى عند سبعة ملايين برميل يومياً نحو ينبع على البحر الأحمر، خط بُني قبل خمسة وأربعين عاماً وأثبت قيمته اليوم. والعراق أعاد إحياء مشروع نائم منذ تدمير خطوط تصديره عام 1983:
خط البصرة-حديثة بتكلفة 4.6 مليارات دولار وطاقة 2.25 مليون برميل يومياً للتصدير عبر الأردن وتركيا، بعد أن أعلنت بغداد القوة القاهرة على صادراتها الجنوبية المحتجزة خلف المضيق، وخصّصت 1.5 مليار دولار للمرحلة الأولى بالشراكة مع شركات صينية.
المشهد يمتد خارج المنطقة، فالهند تسرّع بناء مخزونات نفطية استراتيجية وتوقّع عقود إمداد طويلة الأجل عبر طرق برية، والصين تمد أنابيب برية عبر كازاخستان وتركمانستان لتقليص اعتمادها على الممرات البحرية، وأوروبا تتحول بوتيرة متصاعدة نحو الغاز الأمريكي والنرويجي المسال، ووكالة الطاقة الدولية أطلقت أكبر سحب منسّق من المخزونات الاستراتيجية في تاريخها بأربعمئة مليون برميل. كل خط أنابيب يُمد وكل مخزون يُبنى يعني أن البنية البديلة ترسّخت.
فالبنية التحتية حين تُبنى تُنشئ حقائق دائمة تتجاوز عمر الأزمة التي أنتجتها، وحتى حين يُعاد فتح «هرمز» ستبقى هذه الممرات تعمل وتتوسع، وهذا تحديداً ما يحوّل قرار الإغلاق من محاولة ابتزاز إلى خطأ استراتيجي دائم يصعب إصلاحه.
طريق الحرير أعاد تشكيل التجارة بين الشرق والغرب، وقناة السويس غيّرت الملاحة بين القارات، وقناة بنما اختصرت المسافات بين المحيطات، ومضيق هرمز قد يغيّر شيئاً أعمق وأبقى:
طريقة تفكير العالم في أمن الطاقة بأكمله، فالعالم يتحرك اليوم ليعيش من دون «هرمز» في النفط على الأقل، والإمارات بنت البديل قبل أن تحتاج إليه وبدأت توسعته قبل أن تصل الأزمة، والممر الذي استخدمته إيران لتعظيم نفوذها قد يصبح الحدث الذي عجّل بتقليص أهميته.
الرجاء الانتظار ...