ما سيكتبه التاريخ

أمينة خيري

يا ترى ما الذي سيكتبه التاريخ عن هذه الحرب، إن صح التعبير، وأطلق عليها مسمى «حرب»؟
يبدو الأمر وكأنه صراع. فهو مصطلح أشمل وأعم. يحتوي على تضارب مصالح، وقوى متعارضة، وجماعات مصالح بعضها يحارب بشكل مباشر والآخر يوكل آخرين للحرب بالوكالة، وأهداف بعضها معلن والبعض الآخر مبطن. أما الحرب، فهي أكثر مباشرة وصراحة، حيث العنف المعلن، والمواجهة المباشرة، والأهداف المعروفة، حتى لو لم تكن معلنة.
هل سيتم الربط بين الصراع أو الحرب الدائرة حالياً، وبين العملية التي انطلقت في السابع من أكتوبر 2023، ومن ثم، القضية الفلسطينية وما آلت إليه أوضاعها على مدار العقود.
وما أصبحت عليه من تضارب مصالح وتنافر أهداف، بعضها داخلي قبل أن يكون خارجياً، وتحول الوضع في المنطقة إلى ساحة معرضة للانفجار في أي وقت بالإبقاء على عوامل التهييج والتسخين مشتعلة طيلة الوقت؟

أعجبني ما كتبه أحدهم من أن التاريخ سيشير إلى ما يجري حالياً في الشرق الأوسط باعتباره «صراعاً متعدد الأطراف» أو «حرب كل شيء، في كل مكان، في وقت واحد». هو التوصيف الأكثر تعبيراً عن الموقف، ولكنه يقف قاصراً أمام شرح أو تحليل أو تفسير ما يجري.
الأخطر من ذلك هو منظومة التوثيق والتفسير والتحليل التي ستجري لا محالة بعد 20 أو 30 أو 40 أو 50 سنة من اليوم. إنها المعضلة الأبدية لكتابة التاريخ. من يكتبه؟ ومن أي منظور؟ ومن يراجعه؟ ومن يوثقه؟ ومن يعتمده وثيقة معلوماتية تتناقلها الأجيال لمعرفة ما حدث في العالم، أو في جزء منه، في سنوات ما.
المعضلة ليست في الوقت الذي ستستغرقه هذه العملية. الطبيعي والمتوقع، لا سيما في الصراعات والأزمات السياسية الكبرى، أن تبدأ منظومة التوثيق بروايات معاصرة من مصادر شتى، بعضها صحفي، والبعض الآخر سياسي من وجهة نظر الدول أو الحكومات الضالعة في المشهد بشكل مباشر، أو الضالعة بحكم تأثير المشهد عليها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
ومنها أيضاً رؤى العين من قبل المواطنين الذين يعيشون في كنف الأزمة. أما التوثيق والسرد التحليلي الذي يلمّ بجوانب الأزمة أو الصراع، السياسية والجيوسياسية والاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، فلا يتم أو يكتمل إلا بعد مرور بضعة عقود، وهي السنوات التي يفترض أن تضمن قدراً أوفر من الموضوعية.

وبعيداً عن جدلية موضوعية التاريخ، وهل الكلمتان، التاريخ والموضوعية، متناقضتان بالضرورة، حيث من يكتب محكوم بانتماءاته وأيديولوجيته ومنظومته القيمية بشكل أو بآخر، يبقى السؤال قائماً: كيف سيتعامل المؤرخون مع الصراع الدائر في المنطقة؟
أحد الترجيحات، وهي كثيرة، أن المؤرخين سيكتبون عن الصراع الحالي باعتباره لحظة فاصلة في تاريخ العالم، أعادت تشكيل سوق الطاقة، وأعادت النظر كلياً في المضائق والممرات المحورية لحركة التجارة الدولية، وإعادة ترتيب تحالفات المصالح، لا بناء على وحدة التاريخ وتقارب الجغرافيا وتشابه الثقافة، ولكن بناء على وحدة الأهداف وتقارب المصالح وتشابه المنافع.
ترجيح آخر يشير إلى أن المرحلة الحالية ستؤدي إلى اعتناق مبدأ التسليح في الاقتصاد والتجارة وكذلك الأيديولوجيا.
وعلى ذكر الأيديولوجيا، يتوقع أن يعاد النظر بشكل جذري في طبيعة العلاقة بين الصراعات والحروب من جهة، وبين الأيديولوجيا، سواء الدينية أو السياسية أو كلتيهما من جهة أخرى.
التجارة بالأيديولوجيا لم تكن يوماً واضحة كما هي حالياً، وإن يظل هناك من يصر على عدم الملاحظة. وبقدر ما يتمتع الحكم بالأيديولوجيا بأدوات قوة وسيطرة، بقدر ما ستتضح معالمه الحقيقية، ونقاط ضعفه الكثيرة، إن لم يكن اليوم فغداً.
وبينما ننتظر، أو بالأحرى ينتظر الأبناء والأحفاد، ما سيكتبه التاريخ، نبحث في أغوار الذكاء الاصطناعي بالعربية عن إجابات للسؤال، فتخرج نتائج تقف على طرف نقيض من نتائج البحث عن السؤال نفسه، عن الصراع نفسه، في المنطقة نفسها، في الوقت ذاته بالإنجليزية. وهذا ضمن ما سيرد في التاريخ.



شريط الأخبار