صبحة الراشدي
في العصر الحديث، خفَتَ بريق السجالات التاريخية بوصفها جدلاً عابراً، لكنها لم تنطفئ، إذ ما زالت تمدّنا بشواهد نستحضرها حيناً، ونوثّق بها المواقف والوقائع حيناً آخر، ولعل أعظم ما تبقيه لنا أنها تورّث الأجيال دروساً لا يبهت أثرها.ومن هنا، يصبح لزاماً أن نُشيد بما خطّته الصحف، كشهود وشهادات، وأن نقيّد ذلك في سجل الذاكرة، ليظل شاهداً على قوة شعبٍ لا يُروى تاريخه بالكلمات المدوّنة وحدها، بل بالمواقف العظيمة أيضاً.
ومن هذا المنطلق، قد نضع الأقلام جانباً؛ فالمواقف وحدها هي التي تنطق، في هذا المقام، وقد سطّرت عراقة هذا الشعب وأثبتت مكانته ووطنيته العالية؛ مواقف وُلدت في لحظتها، ولكنها خُلّدت وتُخلّد في وجدان الوطن على مر الزمن.
أمّا بلغة الأرقام، فقد جاءت الشواهد صريحة؛ إذ أكدت تقارير دولية تصدّر دولة الإمارات المرتبة الأولى عالمياً في مؤشر الثقة بالحكومات، وهو مؤشر يستند إلى نبض الشعوب، ويعكس تماسك المجتمع وعمق ثقته بقيادته، ليغدو برهاناً راسخاً على قوة هذا الشعب واستقراره، وتقدم وطنه وازدهاره.
وزيادةً على ما تقوله لغة الأرقام، تتجلّى الحقيقة أيضاً في الميدان؛ في شعبٍ لا تزعزعه الضوضاء، ولا تستفزه الفوضى، ولا يلتفت إلى صخب اللحظة.
وفي مثل هذه المشاهد، يتجلّى الإحساس في الأعماق، في شغاف القلب قبل الجسد، حين ترى صور الحب والولاء والانتماء تمتد خيطاً واحداً لدى جميع أبناء الوطن.
ولم يسجل التاريخ كثيراً من الشعوب التي اجتمعت فيها معاني القوة والجسارة، والصدق والعطاء، كما اجتمعت في أبناء هذا الوطن، في الشعب الإماراتي العريق؛ شعب لا تختلف رؤاه ولا تتباين مساراته، بل يمضي على قلب رجلٍ واحد، راسخَ الإرادة، عصيّاً على التشتت، فتلتقي صفوفه على كلمة واحدة، تحت ظل قيادة حكيمة، فيغدو الوطن صوتاً واحداً، وصفاً واحداً. شعبٌ يحمل المسؤولية في أدق تفاصيلها، تتوحد رؤيته، ويثبت مساره، فلا يتشتت ولا يحيد عن مواقفه.
لحظة تأمّل...
هنا تتجلّى السجلات شاهدةً لمن أراد التوثيق والاعتبار؛ فقد رأينا، يا سادة، شعباً يجتمع على كلمة الولاء لوطنه وقيادته، ويجعلها نبض حياته. تتحول فيه الأخلاق إلى منهج، والسمات والسجايا والقيم السامية إلى إرثٍ يُدرّس في أرقى المحافل؛ يُنشده كبير السن بحب، ويتشرّب الصغير المعنى ليحمله أمانة، فتسري القيم في الأجيال كما يسري الضوء: كلمة موقف، وتصرفٌ رسالة، وخطوة طريق يُهتدى به.
إنه شعبٌ يستمدُّ هيبته من شجاعة قائده، ويصوغ مجده على هديِ حكمة قيادته؛ شعبٌ إذا تعالت الأصوات من حوله، واشتدّ صخبُ الضجيج، ازداد صلابةً وثباتاً وولاءً وانتماءً، لا تزعزع إرادته العواصف، ولا تنال من وحدته الفتن، لأن جذوره ضاربةٌ في الأرض، وإيمانه بالله راسخ، وثقته بقيادته لا تتزعزع، وقوّة وطنه عصيّةٌ على الانكسار، بإذن الله.
فيا من يبحث عن الدروس والعِبر، تعلّم من شعبٍ أحب قيادته وعشق أرضه، فغدت جذوره راسخةً في أعماق التاريخ، شامخةً كشموخ الجبال، لا تتزعزع أمام التحديات، ولا تلين أمام العواصف، لأن الأوطان التي تُبنى على الوفاء والانتماء، تبقى عصيّةً على التقليد، متفرّدةً في مجدها، لا يشبهها أي وطن آخر.
الرجاء الانتظار ...